الشيخ محمد الصادقي
84
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
هو يملكها ، دونما حاجة بعد إلى عناية إلهية متواصلة : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا » ( 17 : 74 ) ! ثم البلية هنا قد زادت بمكايدات نسوة في المدينة ، وتهديدات صاحبة البلاط ، فقد دعونه إلى ما دعته إليه « مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ » مما زاد في الطنبور نغمة أخرى ، وتفاقم الأمر مرة أخرى أكثر بكثير من الأولى . فإن كانت رؤيته برهان ربه هناك تصده أن يهم بها ، وهي فعله مهما كان البرهان من ربه ، ولكنه هنا - وقد علت النبرة وازدحمت النسوة في المكيدة - هو بحاجة إلى برهان أقوى ، وصرف من اللّه « وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ » مكيدة لا يقوى عليها إلّا اللّه حيث تكلّ كلّ القوى ، وتختل الموازين كلها ، اللهم إلا صرفا من اللّه . « إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي . . » لا « تصرفني عنهن » إذ لم يكن ليهواهن ، وإنما هن اللاتي يكدنه لحد يكاد يصبو إليهن . والصبو هو تميّل صبياني عن جهل وتفلّت عقل ، وصبا يصبو صبوة إذا نزع واشتاق وفعل فعل الصبيان ، فإن المكائد الأنثوية تصل لحد يطيّر بها العقل وينوبه الجهل « أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ » وهو القائل : « وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي » فهو يستدعي من ربه في ذلك الموقف الهرج المرج أن يخصه برحمة خاصة تصرف عنه كيدهن « فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ » دعاءه « فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ » ثم لم يمنع ويردع عن سجنه « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ » للدعاء « العليم » ما يصلح الداعي ، وقد كان يكفيه هنا أن يصرف عنه كيدهن وإن ببلية السجن ، وهي في نفس الوقت من ألطافه الخفية ، حيث كان ذريعة لاستئصال التهم عنه على طول الخط ، واستقطابه لأن يجعل على خزائن الأرض ، والسجن - فقط - طريق لهما قاطعة ! « إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ولكن صرفه